الشيخ محمد رشيد رضا

86

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المصريين أو مصرى ينتقد السوريين » هذا إلى ما يعلمه كل واحد من الأمة أن ما تناله أمة من الفوائد يلحقه حظ منها وما يصيبها من الارزاء يصيبه سهم منه ، خصوصا إن كان بيده هامات أمورها وفي قبضته زمام التصرف فيها ، فان حظه « حينئذ » من المنفعة أوفر ومصيبته بالمضرة أعظم وسهمه من العار الذي يلحق الأمة أكبر ، فيكون اهتمامه بشؤون الأمة التي هو منها وحرصه على سلامتها بمقدار ما يؤمله من المنفعة أو يخشاه من المضرة . . « فعلى ولى الأمر في مملكة أن لا يكل شيئا من عمله إلا إلى أحد رجلين إما رجل يتصل به في جنسية سالمة من الضعف والتمزيق موقرة في نفوس المنتظمين فيها محترمة في قلوبهم يحملهم توقيرها واحترامها على التغالى في وقايتها من كل شين يدنو منها ولم توهن روابطها اختلافات المشارب والأديان ؛ وإما رجل يجتمع معه في دين قامت جامعته مقام الجنسية بل فاقت منزلته من القلوب منزلتها كالدين الاسلامي الذي حل عند المسلمين - وإن اختلفت شعوبهم - محل كل رابطة نسبية فان كلا من الجامعتين « الجنسية على النحو السابق والدينية » مبدآن للحمية على الملك ومنشآن للغيرة عليه « أما الأجانب الذين لا يتصلون بصاحب الملك في جنس ولا في دين تقوم رابطته مقام الجنس فمثلهم في المملكة كمثل الأجير في بناء بيت لا يهمه إلا استيفاء اجرته ، ثم لا يبالي أسلم البيت أو جرفه السيل أو دكته الزلازل ، هذا إذا صدقوا في أعمالهم يؤدون منها بمقدار ما يأخذون من الأجر واقفين فيها عند الرسم الظاهر فان الواحد منهم لا يشرف بشرف الأمة الذي هو خادم فيها ولا يمسه شئ مما يمسها من الضعة لأنه منفصل عنها إذا فقد العيش فيها فارقها وارتد إلى منبته الذي ينتسب إليه ، بل هو في حال عمله وخدمته لغير جنسه لاصق بمنبته في جميع شؤونه ما عدا الأجر الذي يأخذه ، وهذا معلوم ببداهة العقل . فلا يجد في طبيعته ولا في خواطر قلبه ما يبعثه على الحذر الشديد مما يفسد الملك أو الحرص الزائد عل ما يعلى شأنه ، بل لا يجد باعثا على الفكر فيما يقوم مصلحته من أي وجه . هذه حالهم هي لهم بمقتضى الطبيعة لو فرضنا صدقهم وبراءتهم من أغراض أخر ، فما ظنك بالأجانب لو كانوا نازحين من بلادهم فرارا من الفقر والفاقة وضربوا في أرض